34 عاماً على رحيل ناجي العلي.. وما زال حنظلة لا يدير ظهره



34 عاماً على رحيل ناجي العلي.. وما زال حنظلة لا يدير ظهره
مدار الساعة - طفل في عقده الأول من العمر، رثّ الثياب، يشيح بوجهه عن العالم عاقداً كفّيه وراء ظهره. سُئل صاحبه عن الموعد الذي سيدير فيه ظهره ليرى المشاهدون وجهه، فأجاب: "عندما تصبح الكرامة العربية غير مهدّدة، وعندما يسترد الإنسان العربي شعوره بحريته وإنسانيته".
 
"حنظلة" طفل وُلد في العاشرة من العمر وسيظل في العاشرة حتى يعود إلى فلسطين، وهو السن الذي ظلمت فيه طفولة ناجي العلي بالتهجير والانتزاع من الوطن. وناجي العلي هو أشهر رسامي الكاريكاتير الفلسطينيين والعرب، قضّت ريشته مضاجع الاحتلال الإسرائيلي والأنظمة العربية على حدّ سواء، حتى أوقفوا قلمه عن الكلام برصاصة غادرة في لندن 22 يوليو/تموز من عام 1987، دخل على إثرها العلي في غيبوبة ليرحل في التاسع والعشرين من شهر أغسطس/آب من نفس السنة، فتتحقق بذلك نبوءته، وهو الذي قال: "اللي بدو يكتب لفلسطين، واللي بدو يرسم لفلسطين، بدو يعرّف حاله ميت".
 
 
حادثة مروعة أودت بحياة الرسام الخمسيني لم يعرف، إلى اليوم، من يقف وراءها، والمتّهمون في ذلك كثيرون أبرزهم "الموساد". ورغم تجاوز الحادثة العقد الثالث منذ حدوثها، فإن الشرطة البريطانية لم تنفكّ تبحث عن شهود عيان علّها تكشف خيطاً جديداً من خيوط الجريمة اللغز، فأعادت فتح التحقيق سنة 2017.
 
اكتشفه غسان كنفاني
في شهر مايو/أيار سنة 1949، سقطت مدينة طبريّا، مسقط رأس ناجي العلي، تحت الاحتلال، فهجّر العلي الطّفل رفقة عائلته، وهم يجرّون أذيال "النكبة"، واستقروا في مخيم عين الحلوة بلبنان.
 
شهدت حيطان المخيّم رسومات، عبّر من خلالها ناجي العلي على صغر سنه، عن ألم اللّجوء وقهر الاحتلال. وذات زيارة للأديب الفلسطيني، غسان كنفاني، إلى المخيم، سنة 1962 في احتفال شعبي بمناسبة يوم فلسطين، ولج إلى معرض الرسم، فوجد العلي المشرف على المعرض في استقباله.
 
أعجب كنفاني كثيراً بالرسومات المعروضة، لكنه توقف طويلاً أمام لوحة تحتوي على خيمة على شكل هرم ترتفع من رأسه قبضة تطالب بالثأر والتصميم والنصر. وكان الثأر أحد الشعارات الرئيسية لـ"حركة القوميين العرب": "وحدة، تحرر، ثأر"، فأبدى كنفاني حماساً شديدا للّوحة وحيّا ناجي العلي عندما عرف أنه هو من رسمها.
 
وعن هذا الموقف، نقل شاكر النابلسي، في كتابه "أكله الذئب: السيرة الفنية للرسام ناجي العلي"، الحوار الآتي الذي دار بين الشهيدين مناضلي الفكر والقلم أمام لوحة الخيمة:
 
غسان: شو اللي خلاك ترسم الخيمة على شكل هرم.. يعني شو علاقة الخيمة بالهرم؟
 
فردّ العلي وهو يشير بيديه مستعيناً بهما على شرح ما سيقول:
 
فيه علاقات مش بس علاقة واحدة. شوف يا سيدي.. أولاً إحنا الفلسطينيين منتميّز بالخيمة زي ما المصريين بيتميزوا بالهرم. يعني لما تقول خيمة بتقول فلسطين، ولما بتقول هرم بتقول مصر.. يعني هما خِتْمهم الهرم وإحنا خِتْمنا الخيمة.. مزبوط هيك؟
 
وهزّ كنفاني رأسه بعلامة القبول، وتابع العلي يقول:
 
ثانياً، الهرم والخيمة مكان للسكن إلهم وإلنا.. بس هُمه بيسكنوها في موت الحياة يعني علامة للخلود، وإحنا بنسكنها في حياة الموت يعني علامة الإصرار على العودة، وللخلود كمان، وحتى تظل قضيتنا حمرة متل الجمرة. ويوم ما نضُبْ هالخيمة ونلفها، منضُبْ فلسطين وبنلفها كمان.. صح هيك، ولا لأ؟
 
غسان: هاي فلسفة كبيرة يا ناجي، منين جبتها؟
 
فردّ العلي وهو يهتز ابتهاجاً:
 
والله من هالدنيا.. هالدنيا علّمتنا أشياء كثيرة. هو قليل اللي شفناه واللي خبرناه؟ عليم الله يا زلمة اللي شفناه بيعلّم العالم كله، مش بس إحنا!
 
وكان كنفاني يضع ذقنه الدقيقة في راحته اليمنى، ويغطي فمه بباقي يده، وينصت بانتباه، وقد وقف وقفة نخلة مائلة، ووقف أمامه العلي مقوّس الظهر، والتفّ حولهما رجال وبنات وأطفال من المخيم ومجموعة من المشاركين برسوماتهم ذوو سحنات محفورة بعذاب الشتات.
 
وتابع العلي كلامه بثقة:
 
ثالثاً: العلاقة بين الهرم والمخيم، يعني ختمنا وختمهم، جاية من إنو مفيش تحرير لفلسطين بدون مصر، يعني بصراحة.. لا نصر من دون مصر!
 
فرد عليه كنفاني بابتهاج شديد وفرح غامر، وقد مال بجسمه أكثر ناحية العلي، وكأنه يود أن يهمس في أذنه:
 
وبشوفك سياسي كمان؟
 
العلي: ما قلنالك يا زلمة، هالدنيا علمتنا كل إشي، عليم الله هذا المخيم لحاله فيه عِلْم أكثر من الجامعة الأمريكية اللي بيحكوا عنها ببيروت!
 
وضحكوا جميعاً، ثم تابع العلي يقول مبتهجاً وبحماس بالغ:
 
بعدين يا أستاذ، العلاقة بين الخيمة والهرم إنهم مش ممكن يكونوا إلا في الخلا.. وواضحين تحت السماء مباشرة، متل الشجر. هلاّ قول لي، في حدا بيبني خيمة جوّه بيت، ولا هرم جوه بيت، ولا بيزرع شجرة تحت سقيفة؟
 
وردّ كنفاني بحبور غامر:
 
وبعدين معاك إنت ما خليت إلنا إشي نقوله، على مهلك يا زلمة، خلينا نحكي شوي !
 
وردّ العلي باسماً وعيناه تلتمعان بوهج الحقيقة:
 
واحدة وبس.. ما إنت إللي سألت يا عمي، وبدنا نجاوبك ع المزبوط!
 
وصمت برهة، وأخذ نفساً وقال بحزم:
 
العلاقة الأخيرة، هي العلاقة بين حجر الهرم وقماش الخيمة!
 
ولم يفهم كنفاني قصد العلي، فسأله باستحياء وبصوت خافت:
 
شو يعني.. مش فاهم؟
 
فردَّ العلي بثقة، وكأنه يختم على وثيقة أمامه:
 
ما بيرجّع فلسطين غير هالحجر!
 
وصَفَق قبضة يده اليمنى ببطن راحته اليسرى علامة الختم، وانحنى، والتقط حجراً من أرض الخيمة، وقال بجدّ وهو يشدّ عضلات وجهه، ويقطب جبينه:
 
وما بيطلع هالحجر إلا من هالخيمة.. لا من قصور ولا من علالي، وسلامة تسلمك!
 
وصفّق له كل من سمعه وكان حوله، وهتفوا بحياة فلسطين والحجر.
 
وتعانق كنفاني والعلي، وتبادلا السلامات، وبديا من الخلف وكأنهما ظهر واحد وكتف واحد".
 
أعجب غسان كنفاني بناجي العلي وبرسوماته، وقام بنشرها، للمرة الأولى، في مجلة "الحرية" التي كانت تنطق باسم "حركة القوميين العرب" بعد أن اشترتها الحركة في عام 1959 وأصدرتها بالتعاون مع "منظمة العمل الشيوعي" في لبنان، فنال العلي برسوماته شهرة نقلته بعدها بعامين إلى العمل مع صحف ومجلات كويتية، ليستقر بعدها في لندن للعمل مع صحيفة "القبس" الكويتية التي كانت تصدر من هناك.
 
"هكذا أفهم الصراع: أن نصلب قاماتنا كالرماح ولا نتعب".
أربعون ألف رسمة كاريكاتورية في رصيد ناجي العلي، فهو على غرار رفيقه غسان كنفاني، اختار تعرية الحقيقة من كل تزييف وآمن أن طريق التحرير واحد. طريق وعر اختاره العلي وكان موقناً بنهايته، خصوصاً مع تعرّضه للتهديدات من عدّة أطراف، أولها من الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات، الذي قال عنه: "اللي اسمه ناجي، لو بيضل يرسم، رح أحط أصابيعه بالأسيد"، فكان رد العلي أنه قال: "لو حط أصابيعي بالأسيد، برسم بأصابيع رجلي".
 
وفي حوار إعلامي مع زوجة ناجي، وداد صالح النصر، قالت إنها كانت تقوم بتشغيل سيارته قبل نزوله من البيت لتحميه من خطر "التفخيخات" المحتملة، وحين اكتشف الأمر قال لها: "أنا ولا أنتِ، لأن وجودك لأولادنا أفضل من وجودي!".
 
ولم يطلق ناجي العلي سياط ريشته على السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني والأنظمة العربية فحسب، بل طال نقده عدّة شخصيات فلسطينية، منهم محمود درويش، الذي دعا إلى لقاء يجمع الكتاب العرب واليهود، فكتب عنه العلي على لسان حنظلة "محمود خيبتنا الأخيرة"، مستعيراً عبارة درويش "بيروت خيمتنا الأخيرة". فما كان من درويش إلا أن اتصل هاتفياً بناجي العلي وعاتبه حتى وصل به الأمر إلى تهديده بقوله: "أنا محمود درويش أنت مش قدي يا ناجي أستطيع إخراجك من لندن".
 
 
وازداد توتر العلاقة بين الطرفين بنشر ناجي العلي، سنة 1986، للحوار الذي دار بينهما في مجلة "الأزمة العربية"، فعلق محمود درويش على تلك المكالمة قائلاً: "لم يكن سهلاً أن تحاور ناجي العلي الذي يقول دائماً إنه لا يفهم هذه المناورات، ولا يفهم هذه السياسة، وأن طريق فلسطين واحد وحيد هو البندقية".
 
ولم تخلُ رسوم ناجي العلي من النبوءات والاستشراف للمستقبل، فأحداث كثيرة وقعت بعد اغتياله وجدت لها طريقاً في رسمه، على غرار تنبّئه بالانتفاضة الشعبية الأولى، بل وتنبّئه أن يكون "مخيّم بلاطة" للاجئين قرب مدينة نابلس إحدى بؤرها، وذلك ما حدث فعلاً.
 
كما حذّرت رسومات العلي من السلام مع الكيان الصهيوني مقابل بناء حكم ذاتي للفلسطينيين، لتتحقق اتفاقية "أوسلو" بعد ستّ سنوات من رحيله. وأنبأت ريشة حاتم العلي بالتشرذم الطائفي في الوطن العربي وبظاهرة التكفير، علاوة على تطبيع الدول العربية، إضافة إلى استشرافه لانهيار المعسكر الاشتراكي الذي كان ينتمي إليه.
 
وشهدت سنة 1969 ولادة شخصية "حنظلة" التي يقول عنها صاحبها: "اسمي حنظلة، وُلدت في 5 يونيو/حزيران 1967، اسم أبي مش مهم. أمي اسمها نكبة، وأختي اسمها فاطمة، نمرة رجلي ما بعرف لأني دايماً حافي، أنا مش فلسطيني ولا أردني، مش كويتي ولا لبناني ولا مصري، أنا عربي".
 
ومنذ ذلك الحين، أصبح حنظلة توقيعاً للعلي في كل رسوماته، ليتحوّل إلى رمز الصمود الفلسطيني في ظل العدوان الصهيوني والخذلان والتآمر العربي والعالمي. وعن سبب تكتيف يديه، يقول ناجي العلي "كتفته بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، لأن المنطقة كانت تشهد عملية تطويع وتطبيع شاملة، وهنا كان تكتيف الطفل دلالة على رفضه المشاركة في حلول التسوية الأمريكية في المنطقة، فهو ثائر وليس مطبّعاً".
 
أما عن "فاطمة" أخت "حنظلة"، فهي شخصية رسمها ناجي العلي لامرأة فلسطينية قوية وثائرة لا تعرف المهادنة في القضية الأم، بعكس زوجها الكادح نحيل الجسم كثّ الشوارب.
 
34 سنة على رحيل ناجي العلي إلى عالم أرحب، أرادوا فيها إسكاته لكنهم فشلوا في إسكات الطّفل الذي خلّفه شاهدًا على تتالي النكبات والطعنات التي تتلقاها القضية الفلسطينية، 34 سنة وما زال حنظلة بيديه المكتوفتين وبثيابه الرثة لا يدير ظهره.
 


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة