قبل أن تلتهم الشوكولاتة!



قبل أن تلتهم الشوكولاتة!

مدار الساعة - هل فكّر أحدنا يوما من أين أتت قطعة الشوكولاتة الممتعة قبل أن يمتص حلاوتها الساحرة؟ كم إنسانا كدح في زراعة شجرتها والعناية بها؟ وكم ينال من أرباحها؟ وكم كلّف ذلك كوكبنا؟ لدى شبكة نتفليكس إجابات صادمة عن تلك الأسئلة؛ إجابات قد تبلغ قسوتها أنْ تصد نفوسنا عن التهام الشوكولاتة، التي يحبها بعضنا حدّ الإدمان.

في مسلسلها الوثائقي "Rotten" (ترجمته: فاسد)، تسعى نتفليكس إلى مزيد من التفرد في صناعة أفلام وثائقية تجمع بين نقيضين: تقديم مادة علمية موثقة ذات طبيعة تخصصية من جهة، وعرضها على نحو سلس ومفهوم ومشوّق أيضا للمشاهد غير المتخصص من جهة أخرى. فإذا أضفنا إلى ذلك اختيار موضوعات جذابة ومتصلة بحياتنا اليومية، اتضح لنا أهمية ما تقدمه هذه الشبكة، التي غيّرت صناعة الأفلام والمسلسلات منذ ظهورها.

صدر الجزء الأول من المسلسل، المختص بتتبع الصناعات الغذائية، يوم 5 يناير سنة 2018، بينما صدر الجزء الثاني يوم 4 أكتوبر سنة 2019. عالج الجزء الثاني موضوعات حاضرة في نظامنا الغذائي اليومي مثل صناعة السكر والشوكولاتة والمياه المعدنية.

اعتمد المسلسل منهجا ثابتا تقريبا: البداية بمقدمة لطيفة عن حضور السلعة موضوع الحلقة في حياتنا، ثم يطل صوت السارد المحايد مقدما جرعة من المعلومات المتخصصة، لينتقل الكادر بين آراء المتخصصين في صناعة السلعة، وشهادات من العاملين في إنتاجها أو المتأثرين بصناعتها من المجتمع المحلي. ويجمع كل ذلك بين آراء ومواقف متعاطفة مع صناعة السلعة أو ناقدة لها؛ بين الرابحين من الصناعة والخاسرين أيضا.

مع نهاية الحلقة، يكون المشاهد قد التقط الرسالة: كيف تُنتج السلعة أو تُصنّع؟ من الذي يجني أرباحها؟ ما ضررها على البيئة أو المجتمع المحلي؟

من المدهش حقا أنْ نكتشف أنّ صناعات غذائية أساسية، نتناولها جميعا بشكل يومي أحيانا، ويشارك في صناعتها ملايين البشر يوميا، تتأسّس على مظالم مخيفة لهؤلاء الملايين من العمال والمزارعين الفقراء، كما لا تخلو من أضرار بيئية فادحة. ومع ذلك يجري كل شيء على نحو قانوني.

في الحلقة الخامسة من الجزء الثاني، يقودنا صُنّاع المسلسل إلى جذور قطعة الشوكولاتة الفاخرة، التي تذوب على ألسنتنا مثل الزبدة. تجول بنا الكاميرا بين مزارع الكاكاو في غرب أفريقيا حيث تقدم غانا وساحل العاج 60% من إنتاج الكاكاو العالمي، الذي تعتمد عليه حفنة من الشركات العالمية المعروفة بإنتاج الشوكولاتة الممتازة.

تربح حفنة الشركات الأوربية والأمريكية ما يناهز 100 مليار دولار سنويا، بينما يجني المزارع الأفريقي ذو الملابس الممزقة دولارا واحدا في اليوم، في قرى تخلو من البنية التحتية الأساسية كإمدادات الكهرباء والماء الصالح للشرب، ودون حقوق تحميه من استغلال الموردين الأقوى منه في سلسلة التوريد، بل إنه لا ينال أحيانا ثمن شحنة الكاكاو التي سلّمها للمورد. لا أحد يحميه!

تتبع الحلقة حياة حبة الكاكاو منذ العناية بأشجارها وشروط قطف ثمارها واستخراج حبوبها، ومعالجتها بالتجفيف أولا في أرض المزارعين، ثم سلسلة التوريد التي تبدأ بالحمالين ثم جامعي أجولة الكاكاو الكبيرة والمصدّرين عبر الأطلسي، مرورا بالرابحين الكبار: تُجّار الكاكاو المعدودين على أصابع اليد، الذين يشترون الكميات الهائلة من حبوب الكاكاو ويعالجونها في مصانعهم قبل تسليمها لشركات الشوكولاتة الشهيرة التي نرى اسمها على المنتج النهائي.

يحدد الباحثون جوهر المشكلة: لدينا كفتان: إحداها تحمل ملايين المزارعين الأفارقة الفقراء بلا وعي ولا بنية تحتية ولا تنظيمات نقابية تحمي حقوقهم، بينما في الكفة الأخرى تجار الشوكولاتة الكبار، حوالي عشر شركات كبرى في العالم تحدد الأسعار كيفما شاءت. ولأنها تمنح المزارعين أقل القليل من الأرباح يندفع هؤلاء لإزالة الغابات وزراعة المزيد من الأشجار وبذل المزيد من العمل حتى يطعموا أطفالهم، دون أن يفطنوا إلى أن المزيد من حبوب الكاكاو يعني مزيدا من التخمة الإنتاجية وانهيار الأسعار، وهو ما بدأ منذ سنة 2016.

في أبريل 2017 قرر مجلس الأسواق في ساحل العاج تخفيض أسعار الكاكاو بنسبة 37% بسبب زيادة المعروض. في ذلك اليوم، خسر ملايين المزارعين الفقراء 37% من دخلهم الشحيح أصلا. هنا حدثت جريمة اقتصادية متكاملة الأركان. يشرح الباحثون: اختفت أربعة مليارات ونصف المليار من الدولارات من الأسعار التي كانت تُدفع للمزارعين والضرائب الحكومية، ولم تخفّض الشركات الكبرى أسعار الشوكولاتة للمستهلكين، بل كدّستْها في جيوبها الهائلة. في عام واحد فقط، قُدِّرتْ أرباح شركات الشوكولاتة الكبيرة بمبلغ 4.7 مليار دولار، بسبب تثبيت سعر البيع رغم انخفاض سعر التوريد.

حرص صناع المسلسل على قول كل شيء بوضوح لكن بشكل غير مباشر. لم يكيلوا اتهامات للشركات الكبرى، لكنهم عرضوا الحقائق المطلوبة لإجلاء الحقيقة أمام الجميع: في اقتصاد السوق الليبرالية الحديثة، تتحكم حفنة من الشركات في كل شيء، فيكدس العشرات من أصحابها مزيدا من المليارات بينما يجوع ملايين المزارعين في أشد قرى غرب أفريقيا بؤسا وجوعا.

يطرح صُناع المسلسل أفكارهم السياسية بذكاء بالغ، دون أي بروباجندا. يعرضون الحقائق فحسب. كما يجيدون لغة الكاميرا. يختارون وجوه المزارعين الفقراء بعناية تبدو لي مدهشة. يتحدث بعضهم عن معاناته حتى يجد قوت يومه، بينما يحكي مزارع شاب عن كثير من أحلامه المجهضة في الحياة بسبب التلاعب بأسعار الشوكولاتة، وعدم تسليمه باقي مستحقاته عن محصول السنة الفائتة رغم تسليم حبوب الكاكاو. وبينما يتحدث الشاب عن أحلامه يميل وجهه إلى الابتسام، يبدو أنه لا يريد أن ينساها.

تشكو امرأة مسنّة من انهيار أحلامها أيضا بسبب المزيج نفسه من انهيار الأسعار وعدم استلام المستحقات المتفق عليها من مشتري محصولها. يقطر الإحباط من وجهها وصوتها. لا تطلب الكثير، فقط استلام مستحقاتها الشحيحة حقا.

ينتقل الكادر برشاقة بين المساحات الخضراء المفتوحة في أفريقيا والشركات العملاقة في أوروبا، وبين وجوه المزارعين السمراء البائسة ووجوه مشتري الشوكولاتة الأثرياء في متاجرها الفاخرة في بلجيكا، حيث يبتسم الجميع: بائعوها الرابحون وآكلوها السعداء، دون أن يعرفوا مقدار الشقاء والظلم المختزن في تلك القطعة الصغيرة من النشوة اللذيذة. عربي 21


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة