’السباحة خارج الماء‘.. ’أول المستحيلات‘ الرواية الثانية لزياد صلاح



’السباحة خارج الماء‘.. ’أول المستحيلات‘ الرواية الثانية لزياد صلاح
مدار الساعة - صدر حديثا للروائي والشاعر الأردني زياد صلاح عن دار فضاءات للنشر والتوزيع رواية" أول المستحيلات"،وتقع في 346 صفحة من القطع المتوسط، وحملت العنوان الفرعي"السباحة خارج الماء"، إذ أنها جزء أول من ثلاثية روائية، سيتبعه لاحقا جزءان بعنوانين مختلفين. 
يلج الروائي صلاح خط الزمن عبرعالمين مترابطين، الأول فعلي، والآخر افتراضي، باعتبار أن هذا الواقع الهجين، يعيشه الناس في هذا الوقت، يوماً بيوم ؟!
وتبدو حركة الزمن ماثلة للقارىء عبر بطل الرواية" أثير"، فقد كان عليه أن يسير على جسرٍ خشبيٍّ صغير، يصل بين الماضي والحاضر .
 وُلِد"أثير" وعاش بين جرش القديمة وجرش الراهنة، كأي طفل من أولئك الأطفال، الذين سيكون عليهم، إذا ما أرادوا أن يروا أحلامهم أمامهم، أن ينظروا إلى الوراء، غير أنه كان مولعا دون سواه من الأقران، في البحث عن أسرار طاقة الوجود، ثم أدرك لاحقاً، وجيداً ، أنّ الحياة بلا حب، شجرةٌ من غير ثمر، وأنّ الحب بلا حريّة، طائرٌ مكسور الجناحين، وأنّ الحرية بلا دهشة ، شمسٌ مغمورةٌ بالثلج .
أطلق الروائي صلاح العنان لخياله، ليرسم مشاهد روائية محبوكة بأسلوب احترافي، قلما تجده في الروايات العربية، فهو قادر على توليف الأحداث والتنقل بسلوك الشخصيات في الأزمنة والأمكنة بسلاسة دون أصطدام بمخاوف الروائي أو الوقوع في براثن المعالجة التقليدية للأحداث، فكان الحدث يتحرك في فضاء حر، فالخيال يحب الحرية، والحرية تكره الخوف.
وما إن أطلق بطل الرواية "أثير"  لخياله الحرّ ، العنان ، حتى جاءه بإحدى الفتيات الحسناوات، لقد حاولت أن تملأ وعاء حياته بسائل المعنى الذهبي، لكنها أخفقت منذ بداية المشوار، في أن تحتل، بسطوة حبها، خريطة قلبه .
القارىء لنص الرواية يدهشه البناء اللغوي فيها، فهي لوحة فنية رسمها المؤلف على مهل، فقد تمكن من المزاوجة بين اللغتين الواقعية و الشعرية في جميع فصول الرواية، فسار بخطين متداخلين ومنفكين في آن، وهو ما ارتقى بجمالية المعنى والمبنى". 
في إحدى مقاطع الرواية :"سار "أثير" إلى حيث أشار له مرشده " الطوّاف " الضرير، متجهاً نحو المستقبل، على قدمين مبصرتين.  وفي منتصف الطريق إلى هناك، ظللته سحابةٌ مفارقةٌ من طاقته النفسية، قبل أن تمطره بوابلٍ من المشاعر البريئة، والأفكار الجريئة ..
"أثير" يتجول في الرواية بين الشخوص، إلا أن علاقته بالحبيبية ذات إيقاع خاص في القلب يسعى إلى التشبث بالعقل، فهي  فتاةٌ رائعة من دمشق، هبّت كنسمةٍ رقيقة، من جهة الشمال، على قلبه المفطور على الحب، وعقله السابح في بحر الخيال.
وراوية صلاح ليست منغلقة على زمكان محدد، فهي أيضا تستفيد من كافة المعارف الانسانية من تاريخ وفلسفة وجغرافيا وفنون مسرحية وتلفزيونية، إذ يعكس ثقافته الفردية على الأحداث ويوظفها بطريقة تنسجم مع  السياق الخاص لهذه الأحداث ، فها هو بطل الرواية "أثير" يقف في مختبره الصغير، متأملا لوحة الطفل الباكي" الشهيرة المعلقة بأصابع دامعة، مثلها على الجدار...إنها اللوحة التي رسمها الفنان الايطالي "جيوفاني براغولين"لأحد أطفال الشوراع (....) تمر في بال أثير قصة الطبيب النفسي الذي زاره أحد المرضى، وكان مصابا بالاكتئاب الشديد، وبعد أن أصغى إليه مطولا، أخبره  أنه لا يحتاج إلى أي علاج، ثم نصحه بان يذهب إلى السيرك، ليشاهد المهرج الشهير"جروك". حينها؟، ابتسم الرجل، قائلا للطبيب بصوت خافت، ومحزن: أنا "جروك". 
عموما شواهد كثيرة تعكس عمق ثقافة الروائي زياد صلاح ، وقدرته على التنويع في توظيفها، كما يفعل الروائي ميلان كونديرا في كتبه النقدية ورواياته، فرواية السباحة خارج الماء خرجت عن النمط التقليدي العربي في بنائها الكلي، والشخصيات لا تحكي "حدوتة" بقدر ما هي محملة بمعارف إنسانية. 
  أما في نهاية هذه الراوية، فقد كان الموت ينتظر بطلها"أثير"  على حافة الحياة . وأما ما سيحدث بعدها ، فالإجابة سيأتي بها ، لاحقاً ، الجزء الثاني" ثاني المستحيلات " ، على طبقٍ من ورق .

 

 



التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة