موفق بهجت



موفق بهجت
الكاتب:عبدالهادي راجي المجالي

في طفولتي كنت أحب الفنان (موفق بهجت).. صاحب أغنية: (يا صبحة هاتي الصينية.. صبي الشاي ليكي ولي).. كان يرافق الأغنية راقصة، وكنت أظنها صبحة المقصودة في الأغنية..

كان وجه موفق بهجت ممتلئا، مثل البدر.. يشبه من ترك منسفا دسما للتو، وكان شديد البأس.. وتشعر حين تشاهده، بأنه (نازل لهوشة).. حتى الغناء في زمننا كان مختلفا، لدرجة كنت أظن لو أن موفق بهجت وفهد بلان التقيا في عمل واحد لشكلا عصابة..

ذات يوم تسبب لي الفنان موفق بهجت (بكتلة) ما زلت أتذكرها بكامل تفاصيلها.. كانت الدنيا ترشق الأرض بمطر غزير، ونحن في الحصة الخامسة.. ننتظر توقف الهطول حتى نغادر لمنازلنا، وقد أنهيت للتو الفصل الأول من مرتبات الصف الخامس الابتدائي.. يومها ولأن الأستاذ كان يؤمن بأن القرى البعيدة تحمل المواهب في جنباتها, طلب منا أن يقف كل واحد لمدة دقيقة أمام الطلبة، ويغني أغنية تناسب الجو والمطر.. حين جاء دوري وقفت شامخا وبدأت بالغناء: (يا صبحة هاتي الصينية.. صبي الشاي ليك ولي) كان ينظر الأستاذ لي بتعجب وظننت أنه أحب صوتي.. لأول مرة أشاهد معلما للفن يخلع (حزامه).. المهم انتهت الحصة على صوت بكائي، وقد تبين لي أن أم الأستاذ اسمها (صبحة).. أسر لي بذلك أحد الطلبة، سامح الله موفق بهجت.. لماذا اختار صبحة كان من الممكن أن يغني لجاكلين.. أو سالي، ألم يجد غير (صبحة)..

كنت أيضا أحفظ أغنية: (جايتني مخباية.. مخباية بنسمة.. هبت على قلبي.. تنعنشت شوية.. سألتن قالوا ليا.. هيدا هيدا الحب) يا إلهي كم أحببت هذه الأغنية.. وبقيت أرددها، أصلا موفق بهجت كان ملهمي في ذلك الزمن.. لم يكن يرتدي إسوارة، ولم يكن (يتمايل).. كنت أشعر بأنه أنهى خدمة العلم للتو.. أو أنه مثلا أنهى ورشة (صبة).. وقام بمحاسبة العمال وجاء للاستديو كي يغني..

حتى اللحن تغير في هذا الزمن، والفن تغير.. حتى الوجوه صارت تطلى بألف مسحوق قبل الظهور على الشاشة، مع أن موفق بهجت لم يكن يضع شيئا من هذه الأمور كان وجهه طبيعيا.. ويتصبب عرقا..

حين كبرت قليلا اكتشفت أن ميرفت أمين وقعت في غرامه، وتزوجت منه.. فعلا ميرفت معها حق، فقد كان يملك حنجرة ساحرة.. وبقيت أطارد أخباره، وحين أذهب لسوريا أسأل عنه.. لكنه بحكم المرض اعتزل مبكرا..

مازلت احفظ أغانيه كلها: (ما قتلتني إلا العين الكحلاوية, مشيتك غيه يا حمده يا هيه، عالسيا السيا، أم عبدو يا ام عبدو.. الخ)

للعلم ما زلت كلما ركبت سيارتي، وأردت طرد جو القلق.. يلازمني موفق بهجت.. وأعود لزمن العمالقة..

سؤال اخر قبل أن أختم المقال: هل يعرف وزراء الثقافة الذين عبروا على الوزارة.. معلومات عن موفق بهجت مثلما أعرف؟.. هل تعرضوا للعقاب مثلي.. لأنهم غنوا لموفق بهجت؟ حتما لا.. أصلا الثقافة تكمن في أن تعيش زمن العمالقة وتصر على أنه موجود.. بالرغم من أن هذا الزمن غادر...

[email protected]
الرأي



التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة

آخر الأخبار

الأكثر قراءة