صُنع منذ 14 ألف عام في الأردن، وطوّره المصريون باكتشاف الخميرة والأفران.. تعرَّف على تاريخ الخبز



صُنع منذ 14 ألف عام في الأردن، وطوّره المصريون باكتشاف الخميرة والأفران.. تعرَّف على تاريخ الخبز

مدار الساعة - يعتبر الخبز الغذاء العالمي الوحيد الذي رافقنا في حياتنا اليومية لأكثر من 10000 عام! قد يبدو الأمر مذهلاً، لكن قصة الخبز بدأت في وقت بعيد جداً، عندما كان يصنع الخبز من الدقيق المصنوع من الحبوب البرية، بدايةً بالشعير والدخن والجاودار ثم الحبوب الأكثر تمدناً مثل الحنطة والقمح.

 
لم يكن حينها الخبز قوت الفقراء الذين لا يملكون المال، ولكنه كان طعام المناسبات الخاصة الذي يعد لإبهار الضيوف في مصر. عبر البحار والقارات لينتقل من الشرق الأوسط مع الفينيقيين إلى اليونان ومنها إلى روما وأوروبا ليصبح جزءاً فاعلاً في الثورة الصناعية ويحول تجارها إلى أثرياء.
 
تطلَّب صنعه الكثير من المشقة والتعب ويعود الفضل في اكتشاف طريقة تخميره للصدفة. دعونا نأخذكم في رحلة تاريخية لمعرفة قصة الخبز ومراحل تطوره.
 
 
 
أقدم خبز في العالم يعود لـ14 ألف عام
قام العديد من علماء الآثار والأنثروبولوجيا والمؤرخين بالتحقيق في أصول الخبز. وعثر فريق من الباحثين من جامعات كوبنهاغن ولندن وكامبريدج خلال أعمال التنقيب في الشبيقة، وهو موقع أثري في شمال شرق الأردن، على حفريات أثرية تعود لمجتمعات ثقافة النطوفيين. هناك، وجد المنقبون بقايا موقد استخدم لصنع الخبز وكان أول دليل على أن الخبز صنع منذ 14 ألف عام، أي 4 آلاف عام قبل بدء الزراعة.
 
وتظهر النتائج التي نُشرت مؤخراً في موقع وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم، أنه تم العثور على 24 قطعة من أصل 642 قطعة طعام يعتقد أنها في الحقيقة فتات الخبز. ويعتقد الباحثون أن الخبز الذي ابتكره أهالي الشبيقة كان مسطحاً ومحترقاً قليلاً ويشبه خبز بيتا المنتشر في الشرق الأوسط خاصة في لبنان وسوريا والغني جداً بالبروتين.
 
أول وصفة خبز تم إعدادها
تخلى البشر عن أسلوب حياتهم البدوي، واستقروا وبدأوا في الزراعة وزراعة الحبوب. وبمجرد أن أصبح لديهم العديد من الحبوب في متناول اليد، بدأوا في طحنها إلى دقيق وصنع الخبز. بمعنى آخر، حتى الآن كنا نظن أن أسلافنا كانوا مزارعين أولاً وخبازين ثانياً. لكن فتات الخبز المكتشفة  تسبق ظهور الزراعة بما لا يقل عن 4000 عام. هذا يعني أن أسلافنا كانوا خبازين أولاً – وتعلموا الزراعة بعد ذلك.
 
في ذلك الوقت، لم يعرف أسلافنا بعد مبادئ التخمر لكن يبدو أنهم استطاعوا ابتكار وصفة ذكية مكنتهم من العجن والخبز. كانوا يستخدمون الشعير والقمح البري ويقومون بتكسيره وتقشيره وسحقه ونخله. ثم يخلط هذا الطحين بالماء ليشكل عجينة تُطهى على الجمر أو الحجارة الساخنة.
 
عندما تفكر في الأمر، فإن فكرة أن البشر الأوائل تعلموا الخبز قبل الاستقرار في المزرعة هي فكرة منطقية باعتقاد الباحثين. صنع الخبز عملية كثيفة العمالة تتضمن إزالة القشور وطحن الحبوب وعجن العجين ثم خبزه. تشير حقيقة أن أسلافنا كانوا على استعداد لاستثمار الكثير من الجهد في معجنات ما قبل التاريخ إلى أنهم كانوا يعتبرون الخبز طعاماً مميزاً للمناسبات الخاصة أو لإبهار الضيوف المهمين.
 
الخبز رمز للحياة
 
 
في الحقيقة، الخبز هو مرادف حقيقي للبراعة البشرية لأسلافنا، بالنسبة للإنسان كانت تقنيات معالجة القمح وسيلة للتطور والحضارة التي استغرقت قروناً حتى وصلت لما هي عليه الآن. في البداية، تم استخدام البكتريا البدائية من بذور الحبوب المطحونة يدوياً بقطعتين من الحجر وخلطها بالماء وطهيها بجوار النار، وهكذا تعلم الإنسان تحسين إنتاج الخبز. ومن خلال هذا التطور، تمت كتابة فصل أساسي من فصول الحضارة من قبل الحضارتين العظيمتين للهلال الخصيب، حضارة السومريين في بلاد ما بين النهرين وحضارة مصر القديمة.
 
الخبز، الذي لا يزال يُطلق عليه حتى اليوم "العيش"، باللغة العربية المصرية بمعنى الحياة، كان يدعى "ninda" والتي تعني الحياة أيضاً وتظهر على الألواح السومرية منذ أول اختراع للكتابة في عام 3600 قبل الميلاد. وكان رسمها التخطيطي هو شكل وعاء دائري كان يستخدم للعجن.
 
التحول التاريخي واكتشاف تخمير الخبز
 
في الواقع، في الوقت الذي كان الرومان يتغذون فيه على عصيدة بسيطة من الدقيق، وكان اليونانيون يأكلون المعكرونة المطبوخة على النار، كان المصريون قادرين على وضع أرغفة منتفخة وشهية على المائدة.
 
حوالي عام 2000 قبل الميلاد، اكتشف المصريون الخميرة، المكون الذي يجعل الخبز يرتفع. ربما جاء هذا الاكتشاف بالصدفة، عندما دخلت جراثيم الخميرة البرية المحمولة جواً في بعض عجينة الخبز. الخميرة هي كائن حي دقيق يحدث بشكل طبيعي في البيئة – على النباتات، في التربة، وعلى الحيوانات. وفي ظل الظروف المناسبة (سائل دافئ، وسكر أو نشا)، سينمو وينتج ثاني أكسيد الكربون، والذي، في حالة الخبز، يتدفق عبر العجين ويجعله يرتفع. وهذا ما يجعل الخبز خفيفاً ورقيقاً.
 
اكتشف المصريون أيضاً كيفية استخدام حجرين لطحن الحبوب لصنع دقيق بقوام أدق بكثير مما سبق. كان المصريون خبراء في زراعة القمح، لكنه كان محصولاً كثيف العمالة، مما جعل إنتاج دقيق القمح مكلفاً. لذلك تناول عامة الناس خبز شعير أرخص، وخشن، وأغمق، وأملس؛ أما الأثرياء يأكلون خبز قمح أنعم وأكثر بياضاً ورقيقاً.
 
كما قام المصريون باستخدام الأحجار المسطحة أو الشوايات لخبز الخبز المسطح، كما كان لديهم فئة من الخبازين المحترفين الذين استخدموا أفراناً طينية على شكل مخروطي، يمكنهم من خلالها التحكم في الحرارة لصنع الخبز المخمر.
 
التحول التاريخي للخبز
 
حوالي 600 قبل الميلاد، جلب البحارة الفينيقيون الطحين المصري وتكنولوجيا الخبز إلى اليونان. كان لدى الإغريق بالفعل ثقافة خبز الخبز، لكنهم سرعان ما تبنوا التحسينات المصرية وسرعان ما تنافست الدول اليونانية مع بعضها البعض في مهارة صنع الخبز وادعت أثينا أنها الأفضل. لقد طوروا الخبز من خلال استخدام اختراع يوناني: فرن التحميل الأمامي، وهو تحسن عن النسخة التي يتم فتحها من الأعلى عند المصريين.
 
من اليونان، انتشرت معرفة الخبز غرباً إلى روما. اعتبر الرومان الخبز أكثر أهمية من اللحوم، وكان عامل استقرار في سير العمل السلس لدولة الرفاهية الرومانية، وقد تم توزيع الحبوب على سكان روما حتى بدأت الحكومة بخبز الخبز.
 
الخبز في العصور الوسطى
أخذ توسع الإمبراطورية الرومانية شمالاً تقنيات الخبز اليوناني إلى جميع أنحاء أوروبا. ولكن مع انهيار الإمبراطورية حوالي 400 م، تراجعت جودة مهارات صنع الخبز أيضاً، وأصبح الخبز الفطير هو الأساسي مرة أخرى. خلال النصف الأول من العصور الوسطى (400-1000 م)، أصبح تاريخ الخبز ضبابياً بعض الشيء، ولكن يُعتقد أن النورمانديين أعادوا تقديم الخبز المخمر إلى إنجلترا في القرن الثاني عشر. وبحلول القرن الثالث عشر، كان لدى كل أوروبا دقيق أفضل وخبازون أفضل وخبز أفضل.
 
سرعان ما أصبح الطحن والخبز من المهن ذات المهارات العالية، مما جعل المطاحن والخبازين أثرياء. كانت المخابز لها أفران كبيرة، لذلك تم بناؤها بعيداً عن المتاجر التي كان يُباع فيها الخبز لتجنب الحرائق. كانت المخابز عادة مملوكة من قبل الإقطاعيين، الذين سمحوا للخبازين باستخدام الأفران مقابل رسوم أو مقابل الخبز. بدأ الخبازون تدريجياً في إنشاء مخابزهم الخاصة (في بعض الأحيان مملوكة بشكل جماعي)، وتشكيل النقابات لحماية أنفسهم من اللوردات وتنظيم إنتاج الخبز.
 
دور القانون
 
في عام 1266 أنشأت إنجلترا "Assize of Bread"، وهي مجموعة من القوانين التي تنظم وزن وسعر الخبز؛ نظراً لأن الخبز كان عنصراً أساسياً مهماً، كان الخبازون في وضع يمكنهم من الاستفادة من المستهلكين من خلال التلاعب في الأسعار. نظمت هذه القوانين أسعار الخبز فيما يتعلق بسعر الحبوب. إذا خالف الخباز هذه القوانين (التي كانت سارية المفعول حتى القرن التاسع عشر)، يمكن أن يُعاقب بشدة، حتى يُمنع من الخبز مدى الحياة. كانت العقوبات شديدة لدرجة أن الخبازين اعتادوا على إعطاء قدر إضافي من الخبز لتجنب المشاكل.
 
تصنيع الخبز
خلال القرون القليلة التالية، استمر الخبز في كونه الغذاء الأساسي لمعظم وجبات الناس، وبما أن غالبية الناس كانوا فقراء، فقد كان خبزاً بنياً ثقيلاً مصنوعاً من الحبوب الأرخص ثمناً – الشعير أو الشوفان أو الجاودار. ولكن لأن الناس أصبحوا يعتمدون على الخبز إلى حد كبير، فقد نجت الحكومات والحكام وازدهروا فقط إذا تمكنوا من توفير ما يكفي من الخبز لشعوبهم… أو السيطرة على التمردات التي اندلعت عندما لم يتمكنوا من ذلك.
 
في القرن التاسع عشر، كان معظم الخبز لا يزال يُخبز باستخدام الخميرة المحلية. وبحلول الستينيات كان الخبز تقريباً يصنّع تجارياً.
 
 
وفي أواخر القرن التاسع عشر، كانت الثورة الصناعية على قدم وساق، واستبدلت الأفران التي تعمل بالغاز مواقد الخشب والفحم. مع الاختراع الأوروبي لمطاحن دقيق تعمل بالبخار أكثر كفاءة، أصبح من الممكن إنتاج ما يكفي من دقيق القمح بحيث أصبح الخبز الأبيض في متناول معظم الناس لأول مرة. وفي عام 1912 اخترع أوتو فريدريك روهويدر الآلة التي صنعت شرائح الخبز. كان الخبز الأبيض هو الخبز المفضل للأثرياء لفترة طويلة بينما كان الفقراء يأكلون الخبز الداكن. في أواخر القرن العشرين، تغيرت هذه الفكرة؛ لأن الخبز الأبيض يحتوي على قيم غذائية أقل من الخبز الأبيض. تشير التقديرات إلى أن 60% من سكان العالم يأكلون الخبز يومياً.
وفقاً لموسوعة غينيس للأرقام العالمية في عام 2000، كانت الدولة التي لديها أكبر استهلاك للخبز للفرد هي تركيا مع 199.6 كجم للفرد؛ مما يعني أن الأتراك يأكلون أكثر من ثلاثة أضعاف وزنهم من الخبز سنوياً. تتبع تركيا في استهلاك الخبز صربيا ومونتينيغرو بـ 135 كغم وبلغاريا بـ133.1 كغم.
 


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة