قواقزة يكتب: حفنة من الماضي



قواقزة يكتب: حفنة من الماضي
مدار الساعة - كتب:  د. علي محمد الطالب قواقزة 
كم هي جميلة تلك الطفولة التي تظل تلاحقنا كلما كبرنا، على الرغم من الشيب الذي غطى مساحة الرأس، وكم جميل ذاك الوقت الذي قادنا إلى أزقتنا الأولى وحاراتنا الأولى، ومشاهدة كل البيوت والشوارع الترابية، والكرات القماشية، والبراءة، فالأمنيات حاضرة والأحلام كذلك، وشريط البراءة بألوان الطيف ما زال حاضرًا .
كبرنا. نعم كبرنا، وعرفنا أن الجري على الرمال ليس لعبًا وإنما هو تعثر خطواتنا في الحياة. كبرنا وعرفنا أن همومنا تكبر معنا. كبرنا وعرفنا أن بكاءنا وسيلة نعبر بها عندما نريد أن نحصل على شيء ما، أما الآن فهو مجرد تنفيس عن أحزان الحياة المؤلمة. كبرنا وعرفنا أن الطفولة منبع بريء ليس لها عقاب.
جميلة هي الطفولة خندق العمر الأخير، وهي تمد يدها كي تصافحنا وتضمنا بعناقها الحميم لحظة حاجتنا الملحة إليها، وتعيد لنا تأثيث أرواحنا من جديد. فهي بالفعل طوق النجاة الوحيد التي تنقذنا كلما أحاط بأعناقنا حد الاختناق والقتل. فالمجد كل المجد للطفولة التي نقبض عليها كتميمة تحمينا من كل هذا القتل الروحي، ومن الثقل العمري الذي لا يرحم.
جميلة هي الطفولة عندما نعيش فيها بإحساس طيب وصادق، وإحساس حنون متفاهم ورحيم. وعطوف، ونعيش فيها بقلبِ صافٍ نقي، بقلبٍ خالٍ من الحقد والحسد، بقلب يضم الكثير من الأحباب دون تفريق. ونجد فيها بعض الناس يحرصون على إسعادك، ويسعون جادين إلى تسهيل العقبات أمامك.
اشتقت لتلك الشمس المشرقة في بدايات الصباح الجميل، كان توقيت شروقها كأنه يدعونا لنبدأ يومًا جديدًا مملوءًا بالمرح. وكم اشتقت إلى وقت الغروب الذي كان يشعرني بنهاية هذا اليوم، فالكل منا يغفو وهو منتظر اليوم التالي لممارسة طقوس المرح والسعادة، كم هي رائعة تلك اللحظات والأيام ، نلعب ونتخاصم ونتشاكس، وما هي إلا لحظات ونعود للعب مرة أخرى.
ولكن رأيت ما يكفيني من العالم الآخر( عالم الكبار)، رأيت كيف أصبحنا نكذب باحتراف ملفق، رأيت كيف نتصيد الأخطاء لبعضنا، وكيف بات التسامح شيئًا صعبًا ومستحيلًا، وباتت الكراهية سهلة ولأتفه الأسباب، وبتنا نتعامل بفوقية مع الآخرين.
لا أريد أن أكبر لأكذب وأنافق وأجامل وارتدي الملابس الباهظة، لا أريد أن أكبر لاكتسب كل الصفات الشريرة، فليس هناك أسمى وأرقى من ذكريات صادقة طفولية جعلت مني شخصًا عفويًا، صادق التعامل، ومخلصًا لكلمات وأحلام طالما رددتها في صغري. ولطالما سرحت بخيالي نحو المستقبل، وليس هناك أقسى من تلك اللحظات حين تستيقظ من حلم اليقظة وتقول لنفسك: لقد كنت ذات يوم أطهر وأنقى وأجمل.


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة